قد لا يعرف الكثير طبيعة العلاقة بين «جين زد» وهي حملة معارضة يقودها الناشط المصري المقيم بالخارج أنس حبيب، و«حركة ميدان»، وهي كيان معارض ينشط في تركيا ويتزعمه يحيى موسى، المتحدث السابق باسم وزارة الصحة المصرية خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسى، والذي تتهمه الحكومة المصرية بقضايا عدة متعلقة بالإرهاب. كما لا يدرك كثيرون حجم الشبكات الرقمية التي تعمل على إعادة تدوير المحتوى السياسي وتضخيم انتشاره عبر منصات التواصل الاجتماعي.
يكشف هذا التقرير وجود شبكة من الحسابات التي تنشط بصورة منسقة في الترويج لمحتوى مرتبط بحركة «جين زد» و«حركة ميدان»، إلى جانب إعادة نشر مقاطع وتسريبات تنتهك الخصوصية ينشرها حساب يُعرف باسم «الملك». ويعتمد نشاط هذه الشبكة على عشرات الحسابات، بعضها يستخدم هويات غير حقيقية أو مؤشرات شائعة للحسابات الوهمية، فيما تتبادل هذه الحسابات إعادة النشر والتفاعل مع المحتوى نفسه بهدف زيادة انتشاره ومنحه حضوراً أكبر على المنصات الرقمية.
من خلال تتبع نحو 135 حساباً وتحليل العلاقات بينهما، يرصد التقرير الروابط التي تجمع حسابات مرتبطة بأنس حبيب ويحيى موسى ومنصات داعمة لهما، ويكشف كيف تتقاطع حملات التضخيم السياسي مع نشر التسريبات والمحتوى المنتهك للخصوصية ضمن شبكة رقمية واحدة تعمل وفق نمط متكرر من الترويح المتبادل وإعادة التدوير.
كيف بدأت القصة؟
في 21 مايو/ أيار الماضي، علق حساب يُدعى @nasrkarib139361 على منشور لحساب آخر يحمل اسم @AlMalek0710 المعروف بنشر مقاطع مسربة تنتهك خصوصية بعض الشخصيات العامة. وجاء التعليق على هيئة طلب لإعادة نشر مقطع يُظهر متظاهرين بهتفون: "السيسي لازم يمشي".

إلا أن تدقيق المقطع أظهر أنه فيديو قديم يعود إلى تظاهرات شهدتها القاهرة عام 2019، وليس مقطعاً حديثاً كما أوحى سياق النشر.

أما الحساب الذي أعاد تداول المقطع، فهو حساب حديث أنشئ عام 2026، ويستخدم اسماً وصورة شخصية غير حقيقيين. كما أظهرت بيانات الشفافية الخاصة به أنه ينشط من الجزائر. ورغم ظهوره حديثاً في يناير/ كانون الثاني 2026، فإن نشاطه يتركز على التفاعل مع منشورات قديمة لحساب "الملك"، إضافة إلى محتوى تنشره منصة تُدعى "صدى مصر".

وأظهر فحص محتوى "صدى مصر" أنها تروج لأنشطة "حركة ميدان"، وهي كيان معارض ينشط من إسطنبول. ويتزعم الحركة "يحيى موسى" المتحدث السابق باسم وزارة الصحة المصرية خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي. وتتهمه السلطات المصرية بالتورط في التخطيط لاغتيال النائب العام المصري "هشام بركات"، كما أدرجته الحكومة المصرية ووزارة الخزانة الامريكية على قوائم الإرهاب.

كما يروج حساب @nasrkarib139361 منشورات قديمة لحساب آخر يُدعى "أنس طه Anas Taha@iAnanasMnBenha"، وأظهر فحص هذا الحساب أنه يشارك بصورة متكررة مقاطع التسريبات والمحتوى المنتهك للخصوصية الذي ينشره حساب "الملك".

ويتولى حساب "أنس طه" إدارة مجموعة تحمل اسم "مجتمع الدعم لجيل زد". وأظهر فحص المجموعة أنها تضم عدداً كبيراً من الحسابات التي تعيد نشر محتوى حساب "الملك"، بصورة مكثفة إلى جانب حسابات مرتبطة بحركة "جين زد" التي يتزعمها "أنس حبيب". كما تضم المجموعة حسابات تجارية وأخرى تنشر محتوى جنسياً، بالإضافة إلى حسابات تروج لما يُعرف بنظام "الطيبات" وهو نظام غذائي مثير للجدل ارتبط بالطبيب الراحل ضياء العوضي الذي سبق أن شُطب من سجلات نقابة الأطباء المصرية. .
خلية تضخيم رقمية
يتتبع هذا التقرير نحو 135 حساباً على منصة "إكس" من بين أعضاء في مجموعة "مجتمع دعم جين زد"، التي تضم 727 حساباً. وتشير البيانات الأولية إلى أن عدداً كبيراً من هذه الحسابات أُنشئ بغرض الترويج لمحتوى مرتبط بأنس حبيب، إضافة إلى إعادة نشر التسريبات التي ينشرها حساب «الملك»، بينما يتولى حساب «أنس طه» إدارة المجموعة.

ومن خلال تتبع عدد من الكلمات المفتاحية والوسوم التي أطلقها حساب "أنس حبيب" وأعادت حسابات تنتمي لمجموعة "مجتمع دعم جين زد" الترويج لها، اتضحت بعض ملامح نشاط المجموعة وشبكة الحسابات التابعة لها؛ وخلال شهر واحد، نشرت هذه الحسابات محتوى تضمن وسوماً، مثل:
#GenZ002
#الملك_حضر
#فوضناك_ياملك
#عزل_السيسي
#السيسي_ضلمها

وبلغ عدد المنشورات التي تضمنت هذه الوسوم نحو 1200 منشور فقط، إلا أنها حققت وصولاً يُقدر بنحو 235 مليون ظهور، إلى جانب ما يقارب 3 ملايين تفاعل؛ وهي أرقام مرتفعة مقارنة بحجم المحتوى المنشور، ما قد يشير إلى وجود تضخيم واسعة النطاق.

كما أظهر الرسم البياني الخاص بعدد المنشورات ومعدلات الوصول أن النشاط لم يكن منتظماً، بل ظهر على هيئة «نبضات» متتابعة؛ إذ تنشر مجموعة محدودة من الحسابات المحتوى في توقيتات متقاربة، ثم تتلقى المنشورات موجات من التفاعل وإعادة النشر قبل أن يتراجع النشاط تدريجياً، لتبدأ دورة جديدة مع محتوى آخر.

ويشير هذا النمط إلى وجود حسابات وهمية (الذباب الالكتروني) تؤدي دور عُقد بث مركزية تنشر المحتوى أولًا، بينما تتولى حسابات أخرى إعادة نشره والتفاعل معه، بما يساهم في توسيع نطاق انتشاره. وهو ما أظهره التحليل الشبكي الذي أُجري لتتبع العلاقات بين الحسابات المنضوية ضمن مجموعة «مجتمع دعم جين زد».

وقبل الانتقال إلى نتائج التحليل الشبكي، أظهرت بيانات الرصد أن النسبة الأكبر من المنشورات ظهرت على "فيسبوك" بنسبة بلغت نحو 34%، تلتها منصة "إكس" بنسبة 32%، ثم "انستغرام" و"تيك توك"، بنسبة 19% و 9.2% على التوالي.

ورغم تصدر (فيسبوك) من حيث عدد المنشورات، فإن عدد الحسابات النشطة كان أكبر على منصة (إكس)، بينما جاءت (فيسبوك) في المرتبة الثانية، تلتها منصات (إنستغرام) و (تيك توك) و(يوتيوب).

أما أكثر الوسوم حضوراً في المحتوى المرصود، فكان وسم #GenZ002 المرتبط بمجموعة "جين زد"، يليه #احنا_الشعب ثم #حملة_300. وتُظهر البيانات أن هذه الوسوم روجت لها حسابات مرتبطة بمجموعة «دعم جين زد» وأنس حبيب، إلى جانب حسابات أخرى مرتبطة بحركة «ميدان» التي يتزعمها يحيى موسى.
حسابات وهمية هي صدارة النشاط
أظهرت التحليلات أن أكثر الحسابات نشاطا ونشراً، كانت حسابات وهمية، انتحلت هوية معارضة للنظام المصري. وتصدر هذه الحسابات حساب على منصة (فيسبوك) يُدعى: روائع خواطر (rawai3 Khawatir - Hotfeed)

وأظهر فحص حساب "روائع خواطر" انه حساب وهمي يستخدم صورة للصحفية السورية "رولا إبراهيم"، كما ينشر بكثافة محتوى يتعلق بالشأن المصري، عبر ضخ عدد كبير من المنشورات التي تتضمن وسومًا تروج لها حسابات معارضة مرتبطة بمجموعة «جين زد» وحساب «أنس حبيب».


وحدد الحساب موقعه في لندن، بعد أن غيّر موقعه المعلن عدة مرات بين هندوراس ودبي وغزة وبروكسل وجنيف، ليستقر لاحقاً في لندن.

إلا أن بيانات الشفافية الخاصة بالحساب أظهرت أنه يُدار من قبل ثلاثة أشخاص، جميعهم ينشطون من المغرب.

وجاء بعده في قائمة الحسابات الأكثر نشاطاً حسابا «صدى مصر» على منصتي «إنستغرام» و«إكس». وترتبط المنصة ارتباطًا وثيقًا بـ«حركة ميدان» التي تنشط من تركيا، إذ تروج المنصة بشكل متكرر لمحتوى يخص أعضاء المكتب السياسي للحركة، ومن بينهم يحيى موسى، ومحمد إلهامي، ورضا فهمي.

كما ظهر ضمن الحسابات الأكثر نشراً حساب آخر يحمل اسم "@ibnmasr_2011"، ويُعد هذا الحساب حديثاً نسبياً، إذ أُنشئ عام 2024، ولا يستخدم اسماً حقيقياً أو صورة شخصية. ورغم تحديده موقعه في تايلاند، أظهرت بيانات الشفافية أنه ينشط من منطقة غرب آسيا.

وبالإضافة إلى ترويجه الوسوم نفسها التي تروج لها منصة «صدى مصر» وحساب «أنس حبيب»، تبين أن الحساب عضو في مجموعة «مجتمع دعم جين زد»، وهو ما دفعنا إلى فحص هذه المجموعة ورسم شبكة الترابطات بين حساباتها.
داخل مجتمع دعم جين زد.. شبكة تضخيم رقمية
من خلال فحص 135 حساباً ينتمي معظمها إلى مجموعة «مجتمع دعم جين زد»، ورسم 375 علاقة بين هذه الحسابات، حصلنا على خريطة للتحليل الشبكي كشفت طبيعة نشاط المجموعة.

وأظهر التحليل الشبكي أن المجموعة تعمل بطريقة تشبه شبكات الحسابات الوهمية (الذباب الالكتروني) المستخدمة في تضخيم الحملات الرقمية المنسقة؛ إذ تتكون الشبكة من حسابات مركزية تتولى نشر المحتوى، ثم تقوم مجموعة أخرى من الحسابات بإعادة نشره والتفاعل معه لزيادة انتشاره.

وينطبق هذا النمط على حساب "الملك" المعروف بنشر تسريبات تنتهك الخصوصية الشخصية؛ إذ ينشر الحساب المقاطع والمنشورات، ثم تتولى مجموعة من الحسابات إعادة نشرها وتضخيم وصولها.

ورغم أن أغلب الحسابات التي شملها التحليل كانت منتمية إلى مجموعة «مجتمع دعم جين زد»، فإن التحليل الإحصائي للشبكة اقترح تقسيمها إلى ست مجموعات رئيسية، تصدرتها المجموعة المرتبطة بحساب «أنس حبيب»، الذي ارتبط بنحو 20% من عقد الشبكة.

وأعادت نشر محتوى "أنس حبيب" حسابات أخرى لعبت دور الوسيط في تمرير المحتوى داخل الشبكة، من أبرزها حساب "سياسي مخضرم @Veteran_Politc"، وهو حساب حديث ينشط من تركيا، ويروج لمحتوى "أنس حبيب"، وتسريبات حساب "الملك"، كما يروج بصورة متكررة لـ "يحيى موسى" زعيم "حركة ميدان".

روجت منشورات "أنس حبيب" حسابات وهمية أخرى، من بينها حسابات تنشر محتوى جنسياً مثل حساب @Hatem_23، وهو حساب حديث تفاعل بشكل متكرر مع حساب @GenZ002_eg، أحد الحسابات المركزية في مجتمع "دعم جين زد"، إضافة إلى حسابي "سياسي مخضرم" و"أنس طه"، إلا أن الحساب ينشر مقاطع وصور جنسية واضحة!

ولم تكن المجموعة المرتبطة بحساب "أنس حبيب" منفصلة عن بقية الشبكة، بل ارتبطت بثاني أكبر مجموعة داخلها، وهي المجموعة المرتبطة بحساب "المجلس الثوري المصري"، وربطت بين المجموعتين عدة حسابات، من أبرزهم حساب شخص يُدعى "عمر طلعت".

ويصف عمر طلعت نفسه بأنه "عضو المكتب السياسي لحركة ميدان"، الذي يضم أيضاً يحيى موسى ومحمد إلهامي ورضا فهمي، وأظهر التحليل الشبكي وجود روابط وثيقة بين "حركة ميدان" وأعضائها من جهة، وحسابات"جين زد" و"انس حبيب" وحساب "الملك" من جهة أخرى.


ويرتبط حساب "المجلس الثوري المصري" كذلك بحسابات تنشر محتوى مرتبطاً بحركة «ميدان»، فيما تعيد عدة حسابات وهمية نشر هذا المحتوى والتفاعل معه. ومن أبرز هذه الحسابات حساب "@HH8317316758910 HH"، الذي تنطبق عليه مؤشرات الحسابات الوهمية؛ إذ لا يستخدم اسماً أو صورة شخصية، ويتكون اسم المستخدم الخاص به من أحرف وأرقام عشوائية.

وتبرز أهمية هذا الحساب في كونه يمثل نقطة وصل بين مجموعة «مجتمع دعم جين زد» ومجموعة أخرى من الحسابات الرقمية؛ إذ يعيد نشر محتوى مرتبطاً بالطبيب الراحل ضياء العوضي، ويساهم في الترويج لما يُعرف بـ«نظام الطيبات».

أما بقية الحسابات داخل الشبكة فتتوزع على ثلاث مجموعات أخرى، ترتبط إحداها بحساب محمد إلهامي، عضو «حركة ميدان». وتعيد حسابات وهمية ضمن هذه المجموعة نشر مقالات ومقاطع مصورة خاصة به، وجميعها تنتمي إلى مجموعة «مجتمع دعم جين زد» التي يديرها حساب «أنس طه».

ولا يختلف حساب "أنس طه" عن النمط العام لبقية الحسابات محل الدراسة؛ فهو حساب حديث ينشط من تركيا، ولا يستخدم اسماً حقيقياً أو صورة شخصية. كما شارك في الترويج للتسريبات التي ينشرها حساب «الملك»، ويرتبط بصورة وثيقة بحساب «أنس حبيب»، إضافة إلى ترويجه لمحتوى يحيى موسى وحركة «ميدان».


وتشير نتائج التحليل إلى أن الشبكة التي تم تتبعها ترتبط بصورة وثيقة بحسابات ومحتوى تابع لـ«حركة ميدان»، التي ظهرت بوصفها أحد أبرز الفاعلين المركزيين داخل العلاقات الشبكية المرصودة. كما أظهرت النتائج وجود عدد كبير من الحسابات الوهمية التي تتولى إعادة نشر المحتوى المرتبط بـ«جين زد» وأنس حبيب وحساب «الملك»، عبر نمط يعتمد على إعادة التدوير والتضخيم المتبادل للمحتوى.
ويعكس هذا النمط ما يُعرف بـ«الدائرة المغلقة» في الحملات الرقمية المنسقة، حيث تتبادل الحسابات الترويج للمحتوى نفسه بهدف زيادة انتشاره. كما أظهر التحليل أن بعض الحسابات المرتبطة بالشبكة تتقاطع مع مجتمعات رقمية أخرى، من بينها حسابات تنشر محتوى جنسياً أو تروج لما يُعرف بـ«نظام الطيبات»، وهو ما يمنح الشبكة درجة أعلى من التشعب مقارنة ببعض شبكات التضخيم التقليدية.